يحلم آلاف الخريجين السعوديين كل عام بالعمل في أرامكو أو سابك أو شركة الاتصالات السعودية، ويقدم كثير منهم على الوظائف المعلنة في مواقع هذه الشركات مرة واحدة، ثم يستسلمون عندما لا يصلهم رد. وما لا يعرفه أغلبهم أن هذه الشركات لا توظف عبر قناة واحدة، بل عبر مسارات متعددة يبدأ بعضها من مرحلة الثانوية، وبعضها من الجامعة، وبعضها من بوابة المقاولين والشركات التابعة، وأن من يعرف هذه المسارات يملك فرصًا أكبر بكثير ممن يكتفي بالتقديم على الإعلانات العامة.
في هذا المقال ستتعرف على ما يميز العمل في الشركات الكبرى بالمملكة، والمسارات المختلفة للالتحاق بها، وطبيعة عمليات الاختيار فيها وما يقيسه كل منها، والمهارات التي ترفع فرص قبولك، ثم كيف تستخدم الشركات التابعة والمقاولين كطريق بديل للوصول إليها، وأخيرًا ما تتوقعه بعد الالتحاق بها.

لماذا تجذب الشركات الكبرى هذا العدد من المتقدمين؟
تتمتع الشركات الكبرى في المملكة، وفي مقدمتها شركات الطاقة والبتروكيماويات والاتصالات والتعدين والبنوك الكبرى، بسمعة قوية كأفضل بيئات العمل في القطاع الخاص، وتجذب أعدادًا هائلة من المتقدمين لكل وظيفة تعلنها. ويعود ذلك إلى مجموعة من المزايا التي يصعب أن تجتمع في جهة عمل واحدة بالحجم نفسه.
من أبرز هذه المزايا الرواتب والحزم التنافسية التي تشمل غالبًا بدلات متنوعة ومكافآت سنوية وتأمينًا طبيًا شاملًا وبرامج ادخار، إلى جانب الاستقرار الوظيفي الذي تمنحه الشركات ذات الحجم الكبير والتاريخ الطويل. كما تتميز هذه الشركات ببرامج تدريب وتطوير منظمة وفرص ابتعاث وتنقل بين الأقسام ومسارات ترقٍ واضحة، وهو ما يجعل الخبرة فيها قيمة عالية في سوق العمل حتى لمن يقرر الانتقال منها لاحقًا.
لكن هذه المزايا نفسها هي ما يجعل المنافسة على وظائفها مرتفعة جدًا، ويجعل معايير الاختيار فيها صارمة، ولذلك فإن الوصول إليها يحتاج إلى استراتيجية واضحة واستعداد مبكر وصبر على عمليات اختيار قد تمتد لأشهر.
المسارات المختلفة للالتحاق بالشركات الكبرى
لا يقتصر الالتحاق بالشركات الكبرى على التقديم على وظيفة معلنة بعد التخرج، بل تتعدد المسارات بحسب المرحلة التعليمية والمهنية للمتقدم، ومعرفة المسار المناسب لك تجعل جهدك أكثر تركيزًا وفاعلية:
برامج الابتعاث لخريجي الثانوية: تطلق بعض الشركات الكبرى مثل أرامكو برامج ابتعاث جامعي لخريجي الثانوية المتفوقين من غير موظفيها، يدرس فيها المبتعث تخصصًا تحتاجه الشركة على نفقتها، ثم يلتحق بالعمل لديها بعد التخرج. وتشترط هذه البرامج عادة نسبًا مرتفعة في الثانوية واختبارات القدرات والتحصيلي، وتفتح التقديم في مواعيد محددة سنويًا.
برامج التدريب المهني والتلمذة: تقدم بعض الشركات برامج للتدريب المهني والتقني لخريجي الثانوية أو الدبلومات، تؤهلهم لوظائف فنية وتشغيلية داخل الشركة، وتجمع بين التدريب النظري والعملي مع مكافأة خلال فترة البرنامج. وتعد هذه البرامج طريقًا ممتازًا لمن يفضل المسار الفني على المسار الجامعي.
برامج الخريجين الجامعيين: تطلق الشركات الكبرى برامج مخصصة لحديثي التخرج من الجامعات، تمنحهم وظيفة كاملة مع برنامج تطوير منظم يتنقلون خلاله بين أقسام مختلفة. وتستهدف هذه البرامج غالبًا التخصصات الهندسية والتقنية والمالية والإدارية، وتشترط معدلًا جامعيًا مرتفعًا ومستوى جيدًا في الإنجليزية.
التوظيف المباشر لأصحاب الخبرة: تعلن الشركات عن وظائف لأصحاب الخبرة في تخصصات محددة عبر بوابات التوظيف في مواقعها ولينكدإن، وتعتمد في الاختيار على الخبرة السابقة والمهارات التخصصية. وتزداد فرص المرشح في هذا المسار إذا كانت خبرته في شركات مماثلة من حيث الحجم أو المجال.
عمليات الاختيار في الشركات الكبرى وما تقيسه
تعتمد الشركات الكبرى على عمليات اختيار متعددة المراحل، صممت لقياس جوانب مختلفة في المرشح وتقليل احتمالات الخطأ في التوظيف، وتستغرق هذه العمليات غالبًا وقتًا أطول من الشركات الأصغر. وتبدأ عادة بالفرز الآلي للطلبات عبر أنظمة إدارة المتقدمين، التي تقارن بيانات المرشح وسيرته الذاتية بمتطلبات الوظيفة، وتستبعد الطلبات غير المطابقة قبل أن يراها أي موظف.
ثم تأتي مرحلة الاختبارات التي قد تشمل اختبارات القدرات المعرفية في الاستدلال اللفظي والعددي والمنطقي، واختبارات اللغة الإنجليزية، والاختبارات التقنية المرتبطة بالتخصص، واستبيانات الشخصية والسلوك. وتتطلب هذه الاختبارات تدريبًا مسبقًا لأن نمطها وتوقيتها يختلفان عن الاختبارات الأكاديمية التي اعتادها الخريج.
بعد ذلك تأتي المقابلات التي تجمع غالبًا بين الأسئلة الفنية والأسئلة السلوكية، وقد تتضمن في بعض البرامج مراكز تقييم بتمارين جماعية ودراسات حالة وعروض تقديمية. وأخيرًا تأتي الإجراءات النهائية التي تشمل الفحص الطبي والتحقق من المؤهلات والمراجع قبل إصدار العرض الوظيفي.
المهارات التي ترفع فرص قبولك
تتشابه الشركات الكبرى إلى حد كبير في المعايير التي تبحث عنها في المرشحين، رغم اختلاف مجالاتها، ومعرفة هذه المعايير تساعدك على توجيه استعدادك بشكل صحيح. ويأتي في مقدمتها التميز الأكاديمي، فهذه الشركات تضع غالبًا حدًا أدنى مرتفعًا للمعدل الجامعي أو نسب الثانوية في برامجها، ولذلك فإن الاهتمام بالمعدل خلال سنوات الدراسة استثمار مباشر في فرصك المستقبلية.
ويأتي بعده إتقان اللغة الإنجليزية، لأنها لغة العمل اليومي في أغلب هذه الشركات، وتقيسها عادة باختبارات محددة أو خلال المقابلات. ومن المهم كذلك امتلاك خبرة عملية ولو محدودة، مثل التدريب التعاوني في شركة معروفة أو المشاركة في مشاريع حقيقية أو الأنشطة الطلابية القيادية، لأنها تظهر قدرتك على العمل في بيئة مهنية.
ولا تقل أهمية المهارات الشخصية عن المهارات الفنية في هذه الشركات، فهي تبحث عن مرشحين يستطيعون العمل ضمن فرق كبيرة ومتنوعة، والتواصل بوضوح، والالتزام بمعايير السلامة والجودة والأخلاقيات المهنية الصارمة التي تعد جزءًا أساسيًا من ثقافتها.
الشركات التابعة والمقاولون: الطريق البديل للوصول
يغفل كثير من الباحثين عن عمل أن الشركات الكبرى لا توظف كل من يعمل في مشاريعها ومنشآتها بشكل مباشر، فجزء كبير من الأعمال تنفذه شركات تابعة لها، أو شركات مشتركة مع شركاء محليين ودوليين، أو مقاولون واستشاريون ومقدمو خدمات متعاقدون معها. وهذه الجهات توظف أعدادًا كبيرة، وتكون المنافسة على وظائفها أقل غالبًا من المنافسة على وظائف الشركة الأم.
والعمل لدى إحدى هذه الجهات يمنحك خبرة في بيئة الشركة الكبرى ومعاييرها وأنظمتها، ويضعك على تواصل مباشر مع موظفيها، ويجعلك مرشحًا أقوى بكثير عندما تعلن الشركة الأم عن وظائف في مجالك. كما أن بعض الشركات التابعة والمشتركة تقدم بحد ذاتها رواتب ومزايا قريبة من الشركة الأم.
ولذلك فإن خطة ذكية للوصول إلى الشركة التي تحلم بها قد تمر بخطوة وسطى، تبدأ بالعمل لدى شركة تابعة أو مقاول رئيسي لعدة سنوات، تكتسب خلالها الخبرة والعلاقات والمعرفة بأنظمة الشركة، ثم تتقدم إلى الشركة الأم من موقع أقوى بكثير من موقع الخريج الجديد.
ما الذي تتوقعه بعد الالتحاق بشركة كبرى؟
يتصور بعض المتقدمين أن الالتحاق بشركة كبرى يعني الوصول إلى نهاية الطريق، بينما هو في الحقيقة بداية مرحلة جديدة لها تحدياتها الخاصة، ومعرفة ما ينتظرك يساعدك على النجاح فيها:
بيئة منظمة بأنظمة وإجراءات دقيقة: تعمل الشركات الكبرى وفق سياسات وإجراءات مكتوبة لكل شيء تقريبًا، من السلامة إلى المشتريات إلى الموافقات، وهذا يمنحك وضوحًا لكنه يتطلب صبرًا على بطء بعض القرارات. والموظف الذي يفهم هذه الأنظمة ويعمل ضمنها بكفاءة يتقدم أسرع من الذي يحاول تجاوزها.
منافسة داخلية على الترقيات: يعمل في هذه الشركات عدد كبير من الموظفين المتميزين، والترقيات تعتمد على أنظمة تقييم أداء دقيقة ومقارنة بين الزملاء. ولذلك فإن الأداء العادي لا يكفي للتقدم، بل تحتاج إلى أن تبرز من خلال إنجازات واضحة ومبادرات تتجاوز مهامك الأساسية.
فرص تطوير واسعة لمن يبحث عنها: تقدم هذه الشركات برامج تدريب وتطوير وابتعاث ودراسات عليا وتنقل بين الأقسام، لكن الاستفادة منها تتطلب أن تبادر بطلبها وتخطط لها مع مديرك. والموظف الذي ينتظر أن تعرض عليه الفرص قد يمضي سنوات دون أن يستفيد منها.
أهمية العلاقات الداخلية: في الشركات الكبيرة تلعب العلاقات المهنية داخل الشركة دورًا مهمًا في معرفة الفرص الداخلية والانتقال بين الأقسام والحصول على الدعم للمشاريع. وبناء شبكة علاقات إيجابية مع زملائك ومديريك في أقسام مختلفة استثمار طويل المدى في مسارك.
الخاتمة
الوصول إلى وظيفة في إحدى الشركات الكبرى بالمملكة ليس حلمًا مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى فهم المسارات المتعددة التي تفتحها هذه الشركات، والاستعداد المبكر لعمليات اختيار صارمة، والتركيز على المهارات التي تبحث عنها. وإذا لم تنجح محاولتك الأولى، فتذكر أن الشركات التابعة والمقاولين يمثلون طريقًا بديلًا قد يوصلك إلى الهدف نفسه من موقع أقوى. وتابع دائمًا مواعيد البرامج والإعلانات من بوابات التوظيف الرسمية لهذه الشركات، لأنها المصدر الوحيد الموثوق لتفاصيلها وشروطها المحدثة.
0 تعليقات